محمد محمد أبو ليلة

159

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

عهد أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه . وقد نوهنا من قبل أن كلمة " جمع " تحمل في طياتها الدليل على أن القرآن كان مكتوبا بالفعل على مواد متفرقة . ونزيد هنا ما رواه الحاكم في المستدرك بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه قال : " كنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع . . . " الحديث « 1 » . يعنى نكتب ما نزل من الآيات المتفرقة ونضعها في سورها ، ثم نجمعها معا بإشارة النبي صلى اللّه عليه وسلم . يعلق الكاتب على ما ورد في هذه الرواية الخاصة بتكليف زيد بن ثابت بمهمة جمع القرآن واختياره دون غيره لمجرد أنه كان كاتب وحى النبي صلى اللّه عليه وسلم . فيقول إن هذا التوصيف لمؤهلات زيد ، قد أدى دورا له مغزاه في إخراج النص المعتمد أو الرسمي للقرآن . يحاول ويلش بهذا أن يقول إن الروايات الخاصة بمؤهلات زيد بن ثابت ، إنما جاءت كمبرر لاختياره للقيام بمهمة جمع القرآن ، وأنها قد وضعت أو لفّقت بغرض الترويج للنص . ويزعم ويلش كذلك أن هناك من الأسباب والمبررات ما يجعلنا نشك في صحة هذه الرواية من وجهة نظر تاريخية ، ويرى ويلش أن الغرض من وضع هذه الحكاية ، في الأغلب الأعم ، كان هو التعتيم على دور محمد صلى اللّه عليه وسلم والتعمية عليه في إعداد نص مكتوب للقرآن ، يعنى بيده الشريفة وبخطه صلى اللّه عليه وسلم ؛ وهو ما ناقشناه فيه من قبل ، هذا أوّلا . وأما ثانيا : يقول الكاتب فإن التقليل من دور عثمان بن عفان رضي اللّه عنه في كتابة نص رسمي للقرآن ، يعنى أن عثمان كان هو أول من جمع القرآن ، وهذا إصرار عجيب من ويلش وإهدار لقيمة الروايات الكثيرة التي تصادم رأيه في هذه المسألة . وثالثا : يرى الكاتب في هذه الرواية مجرد محاولة لإثبات أفضلية المصحف العثماني أو أولويته على المصاحف التي كتبت قبله ، والمصاحف الأخرى التي كانت مصاحبة له . هذه اجتهادات ويلش ، وليس يلام أحد على اجتهاده ، وإنما يلام على إصراره بأن ما

--> ( 1 ) الإتقان 1 / 164